الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

170

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عقوبة له وكرامة لموسى - عليه السلام - . وجملة : تفيد أنه لم يسعه إلا الإيمان باللّه لأنه قهرته أدلة الإيمان . وهذه مستفادة من ربط جملة إيمانه بالظرف في قوله : إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ . وهذه منقبة للإيمان وأن الحق يغلب الباطل في النهاية . وجملة : تفيد أنه ما آمن حتى أيس من النجاة لتصلبه في الكفر ومع ذلك غلبه اللّه . وهذه موعظة للكافرين وعزة للّه تعالى . وقد بني نظم الكلام على جملة : إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ، وجعل ما معها كالوسيلة إليها ، فجعلت ( حتى ) لبيان غاية الاتباع وجعلت الغاية أن قال : آمَنْتُ لأن اتباعه بني إسرائيل كان مندفعا إليه بدافع حنقه عليهم لأجل الدين الذي جاء به رسولهم ليخرجهم من أرضه ، فكانت غايته إيمانه بحقهم . ولذلك قال : الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ ليفيد مع اعترافه باللّه تصويبه لبني إسرائيل فيما هدوا إليه ، فجعل الصلة طريقا لمعرفته باللّه ، ولعدم علمه بالصفات المختصة باللّه إلا ما تضمنته الصلة إذ لم يتبصر في دعوة موسى تمام التبصر ، ولذلك احتاج أن يزيد وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لأنه كان يسمع من موسى دعوته لأن يكون مسلما فنطق بما كان يسمعه وجعل نفسه من زمرة الذين يحق عليهم ذلك الوصف ، ولذلك لم يقل : أسلمت ، بل قال أنا من المسلمين ، أي يلزمني ما التزموه . جاء بإيمانه مجملا لضيق الوقت عن التفصيل ولعدم معرفته تفصيله . وسيأتي قريبا في تفسير الآية التي بعد هذه تحقيق صفة غرق فرعون ، وما كان في بقاء بدنه بعد غرقه . وقرأ الجمهور آمَنْتُ أَنَّهُ بفتح همزة ( أنه ) على تقدير باء الجر محذوفة . وقرأه حمزة والكسائي وخلف - بكسر الهمزة - على اعتبار ( إنّ ) واقعة في أول جملة ، وأنّ جملتها بدل من جملة آمَنْتُ بحذف متعلق فعل آمَنْتُ لأن جملة البدل تدل عليه . [ 91 ، 92 ] [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 91 إلى 92 ] آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ( 91 ) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 ) مقول لقول حذف لدلالة المقام عليه ، تقديره : قال اللّه . وهو جواب لقوله : آمَنْتُ [ يونس : 90 ] لأنه قصد بقوله ذلك طلب الإنجاء من الغرق اعترافا للّه بالربوبية ، فكأنه وجه